محمد عبد الله دراز

255

دستور الأخلاق في القرآن

ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 1 » . بل إنّ الحساب لن يطلب عن جميع الأعمال الظّاهرة ، والخفية فحسب ، حيث قال تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ « 2 » ، وإنّما سوف يقدم حساب عن مجموع استخدامنا لملكاتنا وقدراتنا ، وكلّ مال طبيعي ، موروث ، أو مكتسب : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا « 3 » ، وقال تعالى : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ « 4 » ، والنّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعطينا فكرة عن هذه المسألة فيقول : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن عمره فيم أفناه ؟ وعن عمله فيم عمل ؟ ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ ، وعن جسمه فيم أبلاه ؟ » « 5 » . ولو أردنا أن نصوغ قولة تلخص هذه الصّفة الشّمولية في جانبيها ، فلن نجد

--> ( 1 ) الكهف : 47 - 49 . ( 2 ) البقرة : 284 . ( 3 ) الإسراء : 36 . ( 4 ) التّكاثر : 8 . ( 5 ) انظر ، صحيح التّرمذي : 4 / 612 ح 2417 ، سنن الدّارمي : 1 / 144 ح 537 و 539 ، المصنف لابن أبي شيبة : 7 / 125 ح 34684 ، المعجم الأوسط : 7 / 307 ح 7576 ، المعجم الصّغير : 2 / 49 ح 760 ، مسند أبي يعلى : 13 / 428 ح 7434 ، المعجم الكبير : 10 / 8 ح 9772 ، تهذيب الكمال : 10 / 517 ، وورد الحديث هكذا : « والّذي نفسي بيده لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأله اللّه تعالى عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله ممّا اكتسبه ، وفيما أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت » ، انظر ، مجمع الزّوائد : 10 / 346 ، المعجم الكبير : 11 / 102 ح 11177 ، المعجم الأوسط : 9 / 156 ح 9406 ، بشارة المصطفى : 252 ، تفسير نور الثّقلين : 4 / 402 .